إنه الحنين .. وما يشبهه
قراءة خاصة في ديوان " موسيقا القِرَب " "للشاعر عبد الحكم العلامي
" أنت لا تستطيع أبدًا أن تقبضَ على حلٍ لإشكالياتِ هذا الشاعر، ليس لأنه خالٍ من الإشكاليات، كلا ولكن سرعان ما يستعصي على كينونتهِ المحددة، فاليمامةُ التي حطَّتْ عطشى فوق نبعهِ إذا عاينتَها ستكتشفُ أنها لم تشرب، إنها فقط بلَّتْ من بلورِ الماءِ زغبَ الرقبة. هو نفسهُ لا يودُّ أن يرتوي، غير أنه لا يحتملُ كونَهُ عطشانًا :
إنه بلُّ الريق ! إنها –تحديدًا- درجةٌ من درجات البرزخ التي يقف عليها، شبهَ خائفٍ، وشبه خجل! "
قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن الفقرة السابقة ليست سوى تعليق نقدي من عندي، غير أن الحقيقة أنها فقرةٌ مجتزأةٌ من الديوان الذي هو بين أيدينا، ومن المدهش أنها تكاد تلخصُ لنا موقفَ الذات الشاعرةِ من عالمها في كلماتٍ دالةٍ وعميقة، وكأن الناقدَ المضمرَ في عبد الحكم العلامي قد أفلتَ في لحظةٍ خاطفةٍ من الشاعر البادي منه، أو ربما عمد عبد الحكم إلى دفعنا دفعًا بهذه الكلمات إلى وجهةٍ بعينها، كي يرينا ما يريدُ لنا أن نراه.
في البداية سنتفقُ معه على يمامتهِ العطشى التي حطَّتْ فوق نبعهِ ولم تشرب، وسنتفق أيضًا معه على إعراضهِ عن الماءِِ وهو ظامئٌ لا يكاد يتحملُ ظمأه، ولكننا لن ننزلق إلى الفخ الذي نصبه الشاعر لنا، نعم .. سوف نفلتُ من قبضتهِ، حين يريد لنا أن نسلمَ بخوفهِ وخجله.
إننا أمام نصٍ طويلٍ وعريض، ساخنٍ ورطب، لا يكتبه سوى أولئك المؤمنين الواثقين بما بين أيديهم، لا يكتبه سوى العارفين الذين تذوقوا لذة المشاهدة، إنه نصٌ غنائيٌّ من الطراز الأول، يمارس فيه الشاعرُ أقصى درجاتِ الحرية، وكأنه إلهٌ هاربٌ من جبال الأوليمب، إنه يتلذذُ بها -أعني الحريةَ- فلا يكادُ يعنيه ما حوله، ولا يكادُ يكترثُ إلا لما يعتملُ داخله، نصٌ يتسيَّدُ فيه صوتُ الأنا، ليكتسحَ ما عداه من أصوات، إذ يقول الشاعر:
أنا الرجلُ الممكن
الذي علمَ الناسَ
كيف تمتلكُ قلوبًا ترحمُ
ونفوسًا تعفُّ
ثم يقول في موضع آخر:
أنا رجل من إفريقية
منذ بدءِ الخليقةِ
وأنا أركلُ الحصى حافيًا
وها هو يقول أيضًا :
أنا الإنسانُ الفضلةُ
ثم تعود الأنا لتأخذ شكلا آخر عبر ضمير المتكلم حين يقول:
أعطني الأبوابَ
والمتاريسَ
وأجنادَ الحراسة
والخلاءَ
واضبط خطاك على حدودِ سهامي
النص الذي بين أيدينا نص عارمٌ وحرٌ ومتدفق مثل نهرٍ جديدٍ ولد توًا، يندفع فيأخذ في طريقه كلَّ شيء، أو هو كما يقول الشاعر نفسه (نصٌ برزخيٌّ بدرجةٍ ما)، لهذا ليس من الغريب أن تتماهى فيه الحدودُ بين الواقعِ والخيال، بين الشعورِ واللاشعور، بين الحنين وما يشبه الحنين، وليس غريبًا أن تتضافر فيه السياقاتُ التي ترتكزُ بقدمٍ على الأرض، بينما تضعُ الأخرى في الفراغ، إننا إذن أمام شاعرٍ غيرِ عابئٍ بما يقال – صدقًا أو زورًا - عن مواصفاتِ النصِّ الجديد، غيرِ عابئٍ بالشائعات التي تملأُ فضاءنا النقدي، ليبدو كما لو أنه يسعى إلى إعادة الاعتبار إلى تقنيةِ التداعي الحرِّ، بحسبانها أداة كشف للذات أمام نفسِها، وواحدة من طرائق تحرير هذه الذات من قبضة وعي زائف يحاصرها ليل نهار، ففي ص 13 يمكننا أن نقرأ معًا:
سأجلسُ القرفصاءَ
قدام هذه التماثيل
ولن يكونَ بوسعي ممارسةُ أيِّ نوعٍ
من طقوسِ العبادةِ حيالها
غير أنني فقط
سأسألُها عن الهواءِ الذي كان يمر
من هنا
هل احتفظتْ منه بروائح الغياب؟!
بوسع القارئ أن يقيس معي هذه المسافة التي تفصل بين "جلوس القرفصاء" في بداية الفقرة و"روائح الغياب" في نهايتها كي يعاين بنفسه تلك الشساعةَ الواضحة، التي هي

























