Yahoo!

الحنين وما يشبهه

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 3 أغسطس 2011 الساعة: 09:53 ص

                                                                             إنه الحنين .. وما يشبهه

قراءة خاصة في ديوان " موسيقا القِرَب " "للشاعر عبد الحكم العلامي

 

" أنت لا تستطيع أبدًا أن تقبضَ على حلٍ لإشكالياتِ هذا الشاعر، ليس لأنه خالٍ من الإشكاليات، كلا ولكن سرعان ما يستعصي على كينونتهِ المحددة، فاليمامةُ التي حطَّتْ عطشى فوق نبعهِ إذا عاينتَها ستكتشفُ أنها لم تشرب، إنها فقط بلَّتْ من بلورِ الماءِ زغبَ الرقبة. هو نفسهُ لا يودُّ أن يرتوي، غير أنه لا يحتملُ كونَهُ عطشانًا :

إنه بلُّ الريق ! إنها –تحديدًا- درجةٌ من درجات البرزخ التي يقف عليها، شبهَ خائفٍ، وشبه خجل! " 

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن الفقرة السابقة ليست سوى تعليق نقدي من عندي، غير أن الحقيقة أنها فقرةٌ مجتزأةٌ من الديوان الذي هو بين أيدينا، ومن المدهش أنها تكاد تلخصُ لنا موقفَ الذات الشاعرةِ من عالمها في كلماتٍ دالةٍ وعميقة، وكأن الناقدَ المضمرَ في عبد الحكم العلامي قد أفلتَ في لحظةٍ خاطفةٍ من الشاعر البادي منه، أو ربما عمد عبد الحكم  إلى دفعنا دفعًا بهذه الكلمات إلى وجهةٍ بعينها، كي يرينا ما يريدُ لنا أن نراه.

في البداية سنتفقُ معه على يمامتهِ العطشى التي حطَّتْ فوق نبعهِ ولم تشرب، وسنتفق أيضًا معه على إعراضهِ عن الماءِِ وهو ظامئٌ لا يكاد يتحملُ ظمأه، ولكننا لن ننزلق إلى الفخ الذي نصبه الشاعر لنا، نعم .. سوف نفلتُ من قبضتهِ، حين يريد لنا أن نسلمَ بخوفهِ وخجله.

إننا أمام نصٍ طويلٍ وعريض، ساخنٍ ورطب، لا يكتبه سوى أولئك المؤمنين الواثقين بما بين أيديهم، لا يكتبه سوى العارفين الذين تذوقوا لذة المشاهدة، إنه نصٌ غنائيٌّ من الطراز الأول، يمارس فيه الشاعرُ أقصى درجاتِ الحرية، وكأنه إلهٌ هاربٌ من جبال الأوليمب، إنه يتلذذُ بها -أعني الحريةَ- فلا يكادُ يعنيه ما حوله، ولا يكادُ يكترثُ إلا لما يعتملُ داخله، نصٌ يتسيَّدُ فيه صوتُ الأنا، ليكتسحَ ما عداه من أصوات، إذ يقول الشاعر:

أنا الرجلُ الممكن

الذي علمَ الناسَ

كيف تمتلكُ قلوبًا ترحمُ

ونفوسًا تعفُّ

ثم يقول في موضع آخر:

أنا رجل من إفريقية

منذ بدءِ الخليقةِ

وأنا أركلُ الحصى حافيًا

وها هو يقول أيضًا :

أنا الإنسانُ الفضلةُ

ثم تعود الأنا لتأخذ شكلا آخر عبر ضمير المتكلم حين يقول:

أعطني الأبوابَ

والمتاريسَ

وأجنادَ الحراسة

والخلاءَ

واضبط خطاك على حدودِ سهامي

النص الذي بين أيدينا نص عارمٌ وحرٌ ومتدفق مثل نهرٍ جديدٍ ولد توًا، يندفع فيأخذ في طريقه كلَّ شيء، أو هو كما يقول الشاعر نفسه (نصٌ برزخيٌّ بدرجةٍ ما)، لهذا ليس من الغريب أن تتماهى فيه الحدودُ بين الواقعِ والخيال، بين الشعورِ واللاشعور، بين الحنين وما يشبه الحنين، وليس غريبًا أن تتضافر فيه السياقاتُ التي ترتكزُ بقدمٍ على الأرض، بينما تضعُ الأخرى في الفراغ، إننا إذن أمام شاعرٍ غيرِ عابئٍ بما يقال – صدقًا أو زورًا - عن مواصفاتِ النصِّ الجديد، غيرِ عابئٍ بالشائعات التي تملأُ فضاءنا النقدي، ليبدو كما لو أنه يسعى إلى إعادة الاعتبار إلى تقنيةِ التداعي الحرِّ، بحسبانها أداة كشف للذات أمام نفسِها، وواحدة من طرائق تحرير هذه الذات من قبضة وعي زائف يحاصرها ليل نهار، ففي ص 13 يمكننا أن نقرأ معًا:

سأجلسُ القرفصاءَ

قدام هذه التماثيل

ولن يكونَ بوسعي ممارسةُ أيِّ نوعٍ

من طقوسِ العبادةِ حيالها

غير أنني فقط

سأسألُها عن الهواءِ الذي كان يمر

من هنا

هل احتفظتْ منه بروائح الغياب؟!

بوسع القارئ أن يقيس معي هذه المسافة التي تفصل بين "جلوس القرفصاء" في بداية الفقرة و"روائح الغياب" في نهايتها كي يعاين بنفسه تلك الشساعةَ الواضحة، التي هي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

طائر الدانتيل

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 18 يونيو 2010 الساعة: 08:56 ص

 

طائر الدانتيل
 
 
 
كيف ..
نضوتُ ثيابكِ عنكِ بهذه القسوة
في بردِ ديسمبر؟
كيف طوّحتُ بها في الهواء؟
حتى
إن قطعةً طارت من النافذةِ
وتكوّمتْ
ضئيلةً على الرصيف.
 
 
كيف تصرَّفتُ ذاك المساءَ هكذا
كشخصٍ
لم يُربِّهِ أحد؟
 
كيف كنتُ أزومُ كالحيوانِ فتصرخينَ
من الفرحةِ،
أرفعكِ
فتمسحينني بيدينِ عمياوينِ
وأظافرَجارحة،
أهذي
فتدوخينَ من الحلاوةِ التي خلفتْها العضَّةُ
على لسانكِ،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 22 مايو 2009 الساعة: 18:33 م

 

المَشْيُ بعيدًا
 
 
شهقتها باسمكَ في بئرِ السُلَّم
كانت كفيلةً بأن تُطيِّرَ كلَّ شيء،
بانَ الماضي كسفينةٍ غارقة،
انحسر عنها الماءُ فجأة.
 
 
إنها آمال الجميلةُ بنتُ جيرانكم
القدامى،
فكيف أطاعكَ قلبك وقلتَ : يا حاجّة!
أكنتَ تعتقد فعلاً بأن المرأةَ
عائدةٌ من الحجاز؟
أم
تذكّرتَ فجأةً أنها تكبركَ بعامين؟
 
 
على الأرجح
أنتَ خاطبتَ الطَرْحَةَ البيضاءَ،
والجسدَ الذي زادت رصانتُه
في غيبتك،
وباتت تهاجمه هشاشةُ العظام.
 
صبيةً كانتِ الشهقة،
حتى إنها استردتْ في لمحةٍ
طريقَكما

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

عن محمود درويش

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 24 سبتمبر 2008 الساعة: 17:37 م

 
 
عن الموت الذي لا موت فيه
                                                   عاطف عبد العزيز
 
القطارُ الأخيرُ توقّفَ عند الرصيفِ الأخيرِ . وما من أحدْ
ينقذُ الوردَ . ما من حمَامٍ يحطُّ على امرأةٍ من كلامْ
وانتهى الوقتُ .. (1)
 لعل موت محمود درويش كان إيذانًا بانتهاء حقبة شعرية كاملة ، وحين نقول ذلك فإننا نشير إلىتلك الحقبة التي بدأت من منتصف القرن الماضي حين ظهرت بدايات الشعر الجديد أو ما سمي بشعر التفعيلة ، من جانب آخر لا يجب أن يؤخذ كلامنا على أنه تبشير باختفاء هذه القصيدة تمامًا كما قد يُظن ، لأن من طبائع الأمور - فيما نرى -  تجاور الأشكال الشعرية ، بل إننا نقصد إلى تضاؤل قدرة هذا النص على أن يكون فاعلاً فينا أو شبيهًا بنا ، بعد أن استنفد طاقاته ووصل إلى حدوده القصوى على أيدي شاعرين كبيرين هما درويش وسعدي يوسف .
ولموت درويش دلالات عدة تتوزع على مستويات عدة ، منها ما يشير - كما أسلفنا – إلى تزامن هذا الموت مع انهدام أبنية جمالية بعينها تجاوزها الوقت وظهور غيرها ، ومنها توازيه مع مجريات الشأن السياسي حين دخلت القضية الفلسطينية إلى نفقها المظلم بالاقتتال الفلسطيني الفلسطيني ، الأمر الذي ربما يكون قد ساهم في إنهاء الوجود الفيزيقي للشاعر ، كي يلتقي ما هو مجازي بما هو حسي في مشهد لا ينقصه المغزى .
**
مطر ناعم في خريف حزين
والمواعيد خضراء ..خضراء
والشمس طين.
لا تقولي : رأيناك في مصرع الياسمين
آه ، بائعة الموت والأسبرين
كان وجهي مساء
وموتي حزين . (2)
عندما ظهر درويش على الساحة الشعرية أواخر الستينات ، بان كما لو أنه رجل اللحظة التاريخية ، إذ بدا بشبابه المتوهج وبشباب قصيدته قادرًا على انتشال الأمل العربي في اللحظة الأخيرة من براثن الموت ، كان شعره حينها حالة مدهشة من فتوة الخيال وطزاجته ، تلك الطزاجة التي لم تكن بالطبع لتخلو من السذاجة ، ونحن نعني بتلك السذاجة غلبة المحمول الشعوري - إن صح التعبير - على الطموح التقني ، كان هذا في الوقت التي شاعت فيه نزعات شكلانية متفاوتة الأهمية ، وجدت في الوضع العربي المأساوي – آنذاك - الفرصة لتوسيع مشروعية التجريب ، وتسييد ما يسمى بثقافة السؤال في مواجهة ثقافة اليقين ، تلك الثقافة التي كانت شائعة إبان مرحلة صعود الفكر القومي العربي .
هكذا صعد نجم درويش بسرعة فائقة وبدرجة لافتة ومثيرة بعد أن ظهر فجأة في القاهرة بعد خروجه من الأرض المحتلة ، وكان قد قدم له رجاء النقاش ومهد لظهوره حين نشر ديوانًا كاملاً له في الهلال ربما كان ذلك – كما قلنا - أواخر ستينات القرن الماضي ، ثم سرعان ما انتقل إلى بيروت ب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قدح مقلوب

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 12 مايو 2010 الساعة: 18:34 م

 

قدح مقلوب

 

صديقكَ ماتَ

قبلَ أن يبلغَ الثامنةََ والثلاثين،

فماذا

أنتَ فاعلٌ هذا المساء؟

 

لو أنني في مكانك،

لأخذتُ طريقي إلى مقهاكما المفضَّل،

لجلستُ على كرسيّهِ متخذًا

نفسَ الوضع؛

المرآةُ ورائي،

ووجهي إلى الرفِّ المزدحم.

 

كنتُ

سأطلبُ بيرتي في قدحهِ الخزفيّ،

ثم أبدأُ في تدوينِ خواطري

على قصاصةٍ مستخدمًا

يدي اليسرى.

 

كنتُ سأرثُ عنه نساءَهُ جميعهن،

كيلا أتركَ الآخرين يدمِّرون

 ما بناه صاحبي،

أرثُ النساءَ بأسرارهنَّ التي

خصّني بها

في مجالسِ الشرْب.

 

بالطبعِ ..

لم أكن لأنسى أن أمضي من فوري

إلى حبيبتهِ الحزينة،

وحين تفتحُ المرأةُ البابَ متشحةً

بشالها الأسود،

أجلسُ قدّامها في هيئةٍ بائسة،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مدونات مكتوب - تحرير

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 11 مايو 2010 الساعة: 17:42 م

مدونات مكتوب - تحرير.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نص جديد : بقايا النهار

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 8 مايو 2009 الساعة: 11:14 ص

 

بقايا النهار
 
 
 
 
ليس مصادفةً
أن كلَّ حاملي الورودِ الحمراء
محبُّون فاشلون.
 
 
شرودهم في الطرقاتِ واضحٌ
لكلِّ ذي عينين.
انظروا ..
إنهم تقريبًا يحملقون في الهواء،
ويحدِّثون أنفسَهم.
 
 
يمكنكم
رؤيةُ واحدِهم في الصباحِ وهو ذاهبٌ
إلى حبيبتهِ،
فتظنُّونه ذاهبًا إلى الجنة،
بينما
يعرفُ المسكينُ تمامًا مآلَ الورودِ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

صور حديثة للشاعر عاطف عبد العزيز

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 16 يناير 2009 الساعة: 09:10 ص

903ima930ima18imag

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ندوة حول ديوان الفجوة

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 16 يناير 2009 الساعة: 08:54 ص

مجلة الشعر تناقش ديوان ” الفجوة في شكلها الأخير “  

   للشاعر عاطف عبد العزيز

 

 

   أقامت مجلة ” الشعر” التي تصدر عن اتحاد الإذاعة والتلفزيون مساء الثلاثاء الماضي أمسية حافلة لمناقشة الديوان السادس للشاعر ” عاطف عبد العزيز ” والذي صدر مؤخرا عن الدار للنشر والتوزيع بعنوان ” الفجوة في شكلها الأخير ” . وقد أصدر عطف عبد العزيز من قبل خمسة دواوين هي : ذاكرة الظل 1993 ، حيطان بيضاء 1996 ، كائنات تتهيأ للنوم 2001 ، مخيال الأمكنة 2005 ، سياسة النسيان 2008 وينتظر صدور ديوان : “سيرة الحب” عن دار هفن خلال أيام قليلة .

   يعتبر الشاعر عاطف عبد العزيز صوتا شعريا بارزا ، شكلت أعماله المتتابعة بدءا من ديوانه الثاني وإلى الآن ملمحا أساسيا في تجربة قصيدة النثر المصرية ، ويعده النقاد في الصف الأول من شعراء هذه القصيدة في الوقت الراهن .

   وقد شارك في مناقشة الديوان الشاعر والنقاد أ.عبد العزيز موافي والناقدة د.أماني فؤاد ، بالإضافة إلى عدد كبير من المبدعين حرص على متابعة الأمسية والمشاركة بمداخلات اتسمت بالسخونة والتفاعل بين المنصة والجمهور .

   في كلمتها قدمت د.أماني فؤاد طرحا نقديا يعتمد على النظر للديوان عبر ثلاثة محاور هي : شعرية الأشياء وشعرية اللغة وشعرية السرد . في المحور الأول أوضحت الناقدة أن الأشياء تقوم بدور البطولة في شعرية الديوان تعبيرا عن مجتمع غارق في التشيؤ ، كما أن هناك مستويات عدة لاستخدام الأشياء منها الغرائبي ومنا مستوى التعامل الفني الذي يوظف الأشياء في علاقات تكشف عن دلالات خفية نفسية أو سياسية أو مجتمعية . وفي المحور الثاني أوضحت أن لغة الشاعر ذات تشكيلات متماسكة إما ذات طبيعة إنشائية أو تنطوي على سخرية مريرة تشي بانحياز الشاعر إلى المنطقة الضد لما ي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

مفال نقدي عن ديوان

كتبها عاطف عبد العزيز ، في 25 أكتوبر 2008 الساعة: 16:34 م

سياسة النسيان

صناعة الحياة وملامسة فتنة المادة

         

                                                                         د/صلاح فاروق

 

من الصعب أن تكتب عن شاعر يعمد إلى هدم ما قد يكون ثابتا في نص ما بعد أن تظن للحظة أن هذه هي طريقته . وبعبارة أخرى ، حين يبنى الشاعر قصيدته بطريقة معينة ، ثم ينتقل منها إلى أخرى في قصيدة تالية فإنك  لا تطمئن إلى ما قد تكون كونته من فكرة أو أفكار حول النص . هذا هو حال صديقنا عاطف عبد العزيز الذي قدم من قبل ثلاثة دواوين ، آخرها كائنات تتهيأ للنوم . وهاهو اليوم يقدم لنا ديوانه الجديد  ( سياسة النسيان ) ، وفيه تتأكد الظواهر الأسلوبية التي تميز تجربة هذا الشاعر . ومنها مناوأة الفعل المجازى التقليدي باصطناع مجازات أخرى تنتمي للفعل المعاصر . هكذا يقول في ( طبيعة صامتة – ص18 ):-

نعم ،

الكلام مدينة غامضة تمامًا كما قلت ،

لكنه ،

مدينة في النهاية :

باحات ،

           ودروب ،

وجراثيم تكاد نعرفها بأسمائها

وهذا الجسد الذي تبيتين على حافته ،

والذي يبدو كما لو كان ساكتًا

- طيلة الوقت -

عميل مزدوج .

 

والمجاز الذي أعنيه هو قوله – على سبيل المثال – الكلام مدينة غامضة ، فهذه الجملة التي تبدو من حيث التركيب المجازى يسيرة وتتكون من مشبه ( مبتدأ هو الكلام ) ومشبه به ( خبر وهو مدينة ) تنقل الكلام من طبيعته العادية ( وسيلة اتصال ) إلى طبيعة أخرى ( مادية ) ذات حواف حادة ، وهو ما يؤكده الاستدراك بصوت الذات الشاعرة  ( لكنه مدينة في النهاية ) وهنا قد تعجب من تعليق الذات الشاعرة على طبيعة ( الكلام ) . فهي إذ تقرر بالاتفاق أن الكلام مدينة ( نعم … ) تعود وتؤكد أنه في نهاية الأمر ( مدينة ) . والعجب الذي أقصده يأتى من تحويل الكلام عن طبيعته الأصلية ، ثم اعتماد المجاز أصلا جديدا له . والمعنى الذي قد يبقى في نفوسنا من ذلك كله أن الكلام هو مكان يتسم بكل ما في المكان من صفات ( باحات ، دروب ، جراثيم ) والمقصود فيما يبدو هو أن الكلام سبب أساسي من أسباب ضياع النفس أو فقد الهوية أو الصخب الذي نجده في أي مدينة من المدن . المجاز أيضا نجده في قوله ( وهذا الجسد الذي تبيتين على حافته – عميل مزدوج ، والتركيب أيضا يسير ، فهو يتكون من مبتدأ وخبر ، مشبه ومشبه به ،

حيث جعل هذا الجسد عميلا مزدوجا . والعبارة في غير حاجة إلى شرح ، أو هكذا تبدو . فالعميل المزدوج ، كما شاع في حياتنا المعاصرة ، وهو مفهوم دال على الخداع . وفى حالتنا هذه دال على الغواية ، وهكذا …. والدرس المستفاد من ذلك كله أن العلاقة بين هذه الذات وتلك المرآة الغامضة هي علاقة قائمة على الشد والجذب الذي يسعى إلى الوصول إلى حقيقة الحياة ، أو الوصول إلى طبيعة العلاقة الإنسانية . ولعلنا نلاحظ فيما عرضته شيئا آخر في بناء القصيدة عند الشاعر ، وأعنى تدخله المتعمد في مسار الخيال . وهو ما قد نراه في قصيدته ( الغروب في إشبيلية ص5 ) .وما أعنيه يبرز من خلال استخدام كلمات بعينها من قبيل ( سيقول – يمكننا ، تبقى مهام أخرى ) فهذه الكلمات حيث توجد فى موقعها من القصيدة تستحضر صوت الذات العاقلة ، الذات الواعية بإنشاء القصيد أو تستحضر أصواتنا نحن القراء . وهو بهذا الفعل يورطنا جميعا في تخمين مسارات الأحداث :-

لماذا

يتجنب رفع وجهه إلى الشرفة المطفأة  !

الحب !!

أين سمع الكلمة من قبل  !

سيقول في نفسه أشياء من السأم ،

أو أشياء من العادة ،

وهو جالس على مقعد حجري

يرسم بحذائه الأشكال في التراب .

يمكننا

أن نلقى في طريق ورقة مطوية ،

بها طائفة من الاقتراحات :

          1- إصبع من الروج

                 كي يلعقه كلما أدركه الليل .

        2-        زجاجة أورجانزا،

للإفاقة حين تداهمه الأزمة ,

       3-         لوحات من الكاتافاه ،

تصور مصارعا للثيران في قميصه الأبيض .

 

والقصيدة إذ تتحدث عن تلك الصديقة الأسبانية دارسة الأدب ، الصديقة التي عادت إلى الوطن ، تحاول – القصيدة – أن تجد حلا لذلك العاشق الذي فقد صديقته ، ماذا يفعل ؟! وفى الوقت نفسه تحاول – عرضا – أن تجد سببا لتعلقه بها ، وهو ما نلمحه في السؤال   ( لماذا يتجنب رفع وجهه إلى الشرفة المطفأة  ! ) ثم في إجابته ( الحب ! ! ) وبين السؤال وإجابته ترسم القصيدة صورة لذلك العاشق وهو يحاول  تدبر حاله بعد فقدان صديقته الحميمة . ولنلحظ هنا أن ما يفعله هو في حقيقته تخمين من الشاعر ( سيقول … ، يمكننا ….) ونحن لا نعرف على وجه اليقين إن كان هذا عينه هو ما كان من ذلك وبعيدا عما تذكره القصيدة نلمح هنا سمتا آخر من سمات قصيدة الحداثة التي تمثلها هذه النصوص، وهو عينه المبدأ الذي يصدر عنه الشاعر في تجربته .

 وعلى وجه اليقين لقد تخلت الذات الشاعرة عن إيمانها بمعرفة الحقيقة ، فلم تعد تصدر في تجاربها عن صورة الشاعر الحكيم ، أو الشاعر المتنبئ ، وإنما صار عملها كلها منصبا في إطار نسبية المعرفة أو الحدس الشعري حدث أو ما لابد أن يكون . وهذا الإيمان بنسبة المعرفة أو الحدس الشعري سعيا لاكتشاف الحياة لحظة الإنشاء – إنشاء القصيدة – يقترن بإيمان آخر – هو وجه ثان للتجربة الشعرية الحداثية ، وذلك أن الخيال –  في هذا الفهم كما لو كان يريد أن يتحول الواقع نفسه إلى تخييل .

وهذا المعنى ليس بعيدا عما تذكره نصوص أخرى صراحة ، فرسالة هذه النصوص ، والمبدأ الذي تصدر عنه التجربة هو التخلص من الذاكرة القديمة ومحو الآثار الباقية سعيا إلى الولادة المتجددة ، هكذا يقول في قصيدته ( البيت ص 37 ) :-

انتقمنا من فراش ،

كنا أعددناه للشعر في أحواله

القصوى ،

لكننا

غسلنا ملاءته ،

كي

يخالط الماء في المجرى تجلطات العاطفة،

والاستعارات

 

والمنطوق الذي يشير إليه هذا المقطع واضح بنفسه ، فالذات الشاعرة ، التجربة المعاصرة عامة تبتغيا الهروب من أسر المجاز التقليدي ، وهو المجاز المعتمد على صور استقرت في الذاكرة الجمعية وتحولت إلى تعبيرات جاهزة ، قد تشير إلى معنى بعينه ، لكنها فى حقيقتها فقدت دلالتها على إثارة الدهشة في نفس القارئ ، والدهشة – كما هو معروف . ربما كان أبرز عناصر الشعرية في الشعر قديمه وحديثه . ولهذا يأتى مثل هذا التساؤل طبيعيا حيث يقول في قصيدته ( السقامات . ص43 ) :-

لماذا كانوا يلوموننا إذن

نحن جاهزى الدهشة ،

                             وضعيفي النظر –

                             على ترك خيالاتنا تلهو أمام البيت

                             مثل بقية الأطفال .

 

والمعنى أن مقصد هذه النصوص واحد ما عيره الرئيسية هو إعادة الخيال إلى طبيعته الحرة ، حيث يلهو بعفوية ودون ترتيب أمام بيوتنا ، أي في واقعنا دونما تحسين أو تقبيح . ومع إدراك هذا المغزى وضرورته بالنسبة للتجربة المعاصرة فإن الذات الشاعرة تقرر بوضوح وفى تصميم أنها لن تدع الخيال يدمر الفرصة بل إنها كما تقول في ( من الفراش إلى النافذة . ص 48 ) :- 

ستكمن لو في الحارة المظلمة

                             على مقربة من البئر ،

                             ونصيده أعزل ،

                             غارقا في السكر ،

تصيده فحسب ،

ونودعه قفص العصافير الفارغ ،

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي