عن محمود درويش

كتبهاعاطف عبد العزيز ، في 24 سبتمبر 2008 الساعة: 17:37 م

 
 
عن الموت الذي لا موت فيه
                                                   عاطف عبد العزيز
 
القطارُ الأخيرُ توقّفَ عند الرصيفِ الأخيرِ . وما من أحدْ
ينقذُ الوردَ . ما من حمَامٍ يحطُّ على امرأةٍ من كلامْ
وانتهى الوقتُ .. (1)
 لعل موت محمود درويش كان إيذانًا بانتهاء حقبة شعرية كاملة ، وحين نقول ذلك فإننا نشير إلىتلك الحقبة التي بدأت من منتصف القرن الماضي حين ظهرت بدايات الشعر الجديد أو ما سمي بشعر التفعيلة ، من جانب آخر لا يجب أن يؤخذ كلامنا على أنه تبشير باختفاء هذه القصيدة تمامًا كما قد يُظن ، لأن من طبائع الأمور - فيما نرى -  تجاور الأشكال الشعرية ، بل إننا نقصد إلى تضاؤل قدرة هذا النص على أن يكون فاعلاً فينا أو شبيهًا بنا ، بعد أن استنفد طاقاته ووصل إلى حدوده القصوى على أيدي شاعرين كبيرين هما درويش وسعدي يوسف .
ولموت درويش دلالات عدة تتوزع على مستويات عدة ، منها ما يشير - كما أسلفنا – إلى تزامن هذا الموت مع انهدام أبنية جمالية بعينها تجاوزها الوقت وظهور غيرها ، ومنها توازيه مع مجريات الشأن السياسي حين دخلت القضية الفلسطينية إلى نفقها المظلم بالاقتتال الفلسطيني الفلسطيني ، الأمر الذي ربما يكون قد ساهم في إنهاء الوجود الفيزيقي للشاعر ، كي يلتقي ما هو مجازي بما هو حسي في مشهد لا ينقصه المغزى .
**
مطر ناعم في خريف حزين
والمواعيد خضراء ..خضراء
والشمس طين.
لا تقولي : رأيناك في مصرع الياسمين
آه ، بائعة الموت والأسبرين
كان وجهي مساء
وموتي حزين . (2)
عندما ظهر درويش على الساحة الشعرية أواخر الستينات ، بان كما لو أنه رجل اللحظة التاريخية ، إذ بدا بشبابه المتوهج وبشباب قصيدته قادرًا على انتشال الأمل العربي في اللحظة الأخيرة من براثن الموت ، كان شعره حينها حالة مدهشة من فتوة الخيال وطزاجته ، تلك الطزاجة التي لم تكن بالطبع لتخلو من السذاجة ، ونحن نعني بتلك السذاجة غلبة المحمول الشعوري - إن صح التعبير - على الطموح التقني ، كان هذا في الوقت التي شاعت فيه نزعات شكلانية متفاوتة الأهمية ، وجدت في الوضع العربي المأساوي – آنذاك - الفرصة لتوسيع مشروعية التجريب ، وتسييد ما يسمى بثقافة السؤال في مواجهة ثقافة اليقين ، تلك الثقافة التي كانت شائعة إبان مرحلة صعود الفكر القومي العربي .
هكذا صعد نجم درويش بسرعة فائقة وبدرجة لافتة ومثيرة بعد أن ظهر فجأة في القاهرة بعد خروجه من الأرض المحتلة ، وكان قد قدم له رجاء النقاش ومهد لظهوره حين نشر ديوانًا كاملاً له في الهلال ربما كان ذلك – كما قلنا - أواخر ستينات القرن الماضي ، ثم سرعان ما انتقل إلى بيروت بمناخها الكوزموبوليتاني ، ومنها اتسعت حدود حركته ، وبالتالي اتسعت دائرة محبيه إلى الدرجة التي أثلرت حفيظة البعض أو اندهاشه .
وما من شك أن اقتراب درويش - بحكم مجمل الظروف - من دوائر السياسة ومراكز صنع القرار سواء في منظمة التحرير الفلسطينية أو من بعض الأنظمة العربية في بعض الأوقات ، قد ألقى ببعض الظلال حول صورته كشاعر ملأ القلوب والأبصار ، ملأها - إلى حد يصعب تصوره وتكراره - لدى جماهير واسعة في العالم العربي .
غير أن درويش ظل يقظًا ومنتبهًا لذلك بل وقلقًا بشأنه ، الأمر الذي كان يتسبب - من آن إلى آخر – في إصابة علاقاته داخل حقل السياسة بتقلصات حادة كان من الممكن أن تودي بحياته نفسها في كثير من الأحيان ، لكنها في الأخير عرضته لضغوط نفسية وعصبية حملته على دفع تجربته دفعًا إلى الأمام ، وتطوير رؤاه وأدواته داخل مشروعه الشعري ، كي يتساوق هذا المشروع مع عالمه المركب المليء بالمتناقضات ، والذي كان لزامًا علي أن يحياه بأقل قدر من التفريط وبأكثر قدر من السلام مع الذات ، ولم يكن هناك سوى الشعر ليلعب هذا الدور الخفي ، دور التطهير اليومي لروح شاعر كبير شاءت أقداره أن يولد في حديقة الديناصورات .
**
لغتي صوتُ خريرِ الماء
في نهر الزوابعْ
ومرايا الشمسِ والحنطة
في ساحة حربٍ
ربما أخطأتُ في التعبير أحيانًا
ولكن كنت - لا أخجل – رائع
عندما استبدلتُ بالقاموسِ قلبي ! (3)
كثيرون الذين لاموا درويش على نجوميته ، كانوا يصفونها بأنها نجومية رخيصة تحصّل عليها من التفريط في جوهر الشعر ، وأنه وقع في ممالأة الذائقة العمومية وذهب إلى الجمهور حيث كان ، قالوا إنه نزل إلى القارئ العام بمخيلته الضحلة وأفقه الكسول بحثًا عن الرواج ، وإنه لعب على وتر إشباع التوقع ، الأمر الذي أضر بتجربته بشكل عام . كما يرى البعض أيضًا أن أداءه التمثيلي على المنصات وقدرته على تلوين صوته فضلاً عن وسامته كان لها دور غير منكور في صنع تلك الكاريزما .
اللافت للانتباه أن تلك الانتقادات بدت غير خالصة لوجه الشعر ، إذ جاء معظمها من مواقع الخصوم ، لا بشكل مباشر بل عبر مرنزقة أو وكلاء معتمدين لتلك المواقع التي لم تكن تحمل لدرويش أي ود من الأساس ، ربما لأنها توهمت أن نجوميته وتألقه جاء خصمًا من وجودها وتأثيرها .
ومن الناحية الموضوعية ، لابد لنا من الاعتراف باستفادة درويش من كل الإمكانات التي أتيحت له بحكم اقتراباته من المؤسسات ومراكز النفوذ ، وباستفاداته من ملكاته الشخصية من وسامة وذكاء وموهبة التواصل مع الآخر ، إذ أمكنه توظيف كل هذا لرسم صورة مؤثرة ونافذة إلى النفوس . لكن المؤكد أيضًا أن درويش قدم تجربة شعرية سامقة يصعب على أي أحد من مجايليه أن يتجاوزها أو أن يدانيها ، وهي تجربة تنقل فيها من مرحلة إلى أخرى متجاوزًا نفسه مرارًا ، ومجددًا وعيه في كل مرحلة ، دون أن يفقد سكته أو ينقلب على مشروعه كما يفعل البعض . استطاع الشاعر الكبير أن يفلت من القفص الذهبي الذي حاول النقاد أن يحبسوه فيه حين صرخ ارحمونا من هذا الحب القاسي ! ، إذ طار درويش من القفص وحلق وقدم نصوصًا جديرة بأن تجعله واحدًا من شعراء الإنسانية الكبار .
**
نسيانُ شيءٍ ما صعودٌ نحو باب الهاوية
أين يُمتحَنُ الصواب ؟ (4)
يروق لي أن أشير إلى ديوان مفصلي في تجربة درويش وهو هي أغنية .. هي أغنية ، وأشير بالتحديد إلى قصيدة من فضة الموت الذب لا موت في . كان هذا الديوان في رأيي هو الانعطافة الأكثر حدة في تجربة الشاعر ومشواره ، لأنه الديوان الذي انتقل في درويش بشكل جذري وكامل من الشعر الملتبس بغيره ( أعني بغير الشعر ) ، إلى الشعر في حالته الأنقى ، الشعر المحض ، الشعر الأعلى ، الشعر الشعر .
أجل كل ما كتبه درويش بعد ديوان هي أغنية جاء مختلفًا وذا منزع جمالي جديد ، إذ كتب بعد ذلك ورد أقل و أحد عشر كوكبًا ثم تتابعت أعماله ، وأظنه بعد هذا المنعطف كان قد رد على خصومه إذ حلق في ذرى شاهقة ، وتجاوز بشعره مفهوم التعبير إلى مفهوم التشكيل دون أن تفقد قصيدته حميميتها وروحها الإنسانية ، الأمر الذي فكك غموضها وحمل إليها الناس حملاً . تجاوز درويش بشعره كل التخوم دون أن يفقد جمهوره العريض كأن بينهما عقدًا سريًا أتاح له أن يفعل معه وبه مايشاء .
لعلنا نأخذ على درويش القليل الذي لا يفسد محبتنا له أو إيماننا به كشاعر من الصعب تكراره ، ربما نأخذ عليه غنائيته الفادحة التي لم يتخل عنها يومًا ، ونأخذ عليه عدم التفاته إلى أهمية الصمت كجزء جوهري وحيوي من الإيقاع ، فقد بدت قصيدته شلالاً من الموسيقى التي لا تكترث سوى بنفسها ، وبدت أيضًا وكأنها لا تنتبه لاحتياجنا إلى السفوح والوهاد ، الذي لا يقل عن احتياجنا إلى الجبال والذرى  .
نعم .. كانت قصيدة درويش عالية ، عالية بكاملها لا تحتفل بالهشاشة الضرورية أحيانًا ، ولا تحتفل بالضعف وفتنته ، وهي في ذلك ربما تكون مخلصة و متسقة مع شعريتها الرسولية ، تلك الشعرية التي كانت بنت زمن غير الزمن .
رحمه الله ورحمنا .
القاهرة في 11 سبتمبر 2008
 
 
 
إشارات
1 ورد أقل
2 الكتابة على ضوء بندقية
3 حبيبيتي تنهض من نومها
4 هي أغنية .. هي أغنية
 
        
 
 
     
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “عن محمود درويش”

  1. الصديق المبدع والشاعر المتألق أ /عاطف
    أعجبتني رؤيتك وقدرتك على تحليل الموقف ما بعد درويش
    ولكني أراك تنحت في الصخر وتخاطب بهذا المقال عقولا فقدت أهليتها وقدرتها على تخيل ما ليس محفورا في أذهانهم فهم يا سيدي جعلوا من قناعاتهم أصناما عبدوها ويفرضون علينا طقوس عبادتهم كطريق واحد وحيد لدخول جنتهم الضيقة ضيق أفقهم
    دمت متألقا وصلبا
    عادل العجيمي
    قاص مصري

  2. عادل الجميل

    صباح الفل

    أشكر لك مرورك بالمدونة وتعليقك الذكي…..

    عاطف



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر