حوار في جريدة المصدر اليمنية
كتبهاعاطف عبد العزيز ، في 18 أكتوبر 2008 الساعة: 09:27 ص
حوار لجريدة المصدر مع الشاعر
عاطف عبد العزيز
- أنا الخزاف ، ثرثرت طويلاً بأصابعي ، و كنت كلما أسهو ، أخلف في جسم الكلام فجوة تأخذ هيئة المعنى هكذا يتكلم الشاعرفي سياسة النسيان..وبين ذاكرة الظل والفجوة في شكلها الأخير مسافة،فهل وصل عاطف إلى سهوه النهائي؟
* سؤال ذكي يحتاج إلى إجابة ذكية ولا أعرف ما إذا كانت هذه الإجابة متاحة الآن أم لا ، لكن دعيني أجيب بطريقتي ، سأقول إن فعل السهو في التجارب الشعرية لا يقل أهمية عن فعل التذكر بل ربما يفوقه في الأهمية ، لأن السهو في حقيقة الأمر هو الذي يجدد حياتنا ويجعلنا منتبهين للعالم من حولنا ولتحولاته ، بمعنى آخر السهو هو الذي يمكّننا من استعادة حواسنا التي غالبًا ما نفقدها تحت وطأة العادة أو التكرار .
العين المفتوحة على طول الخط لا تبصر في واقع الأمر ، لا تقوى على رصد التغير البطيء الذي ينتاب الأشياء من حولنا ، لا تقوى على رصد حراك الأشكال والألوان والظلال في المشهد فنظنه ثابتًا بينما هو قد صار غيره دون أن ننتبه ، لأننا نكون حينها مبصرين بعين الذاكرة . أما العين التي تغمض من آن إلى آخر ، العين التي تسهو ، فهي وحدها القادرة على إدراك التبدلات الصغيرة والبطيئة التي تزحف على العالم حولنا ، تراها في تراكمها .
على هذا يصبح السهو من لوازم الكتابة ، والوصول إلى السهو النهائي – حسب تعبيرك – قد يكون معناه الموت ، السهو النهائي سيكون هو الانتباه النهائي حيث يصبح المرء في مواجهة مع الحقيقة الكاملة .
- في دوواينك الأولى كانت الفاصلة الزمنية بين كل ديوان وآخر لا تقل عن 3 سنوات..وبعد سياسة النسيان الصادر 2007 ها أنت تصدر ديوانا وفي انتظار سيرة الحب…هل هذا يعني خفوت القلق الشعري بداخلك واستبداله بثقة شجاعة بقصيدتك؟أم هو محاولة لمسايرة ماراثون النشر الشعري والروائي في الفترة الأخيرة والخوف من التجاوز؟
* الأمر أبسط مما تتصورين ، ذكرتُ في ديوان سياسة النسيان أن قصائده كتبت فيما بين عامي 2001 و 2003 ، بينما قصائد ديوان الفجوة في شكلها الأخير كتبت فيما بين عامي 2005 و 2007 ولكن كما تعرفين فإن ظروف النشر لا تكون مواتية طوال الوقت ، الأمر الذي يؤدي إلى عدم تناسب توقيتات النشر مع توقيتات الكتابة ، فمثلاً ديوان مخيال الأمكنة الذي نشر عام 2005 كان قد كتب بعد سياسة النسيان الذي نشر كما تعرفين عام 2007 .
لذلك كله بت مضطرًا إلى تدوين تواريخ كل نص في نهايته لأمكّن القارئ أو الباحث على رؤية تجربتي في شكل خطي إن أراد .
مع ذلك فأنا أرى أن حمى النشر التي تنتاب القاهرة ظاهرة صحية أتمنى استمرارها بغض النظر عن مدى قدرتها على التجاوز ، فمسألة التجاوز لا علاقة لها بالكم بقدر ما لها من علاقة بقدرة المبدع على الإنصات إلى العالم ، وذلك أمر كما تعرفين عسير .
- شاركت مع مجموعة من الشعراء في إصدار مجلة مقدمة ( المتخصصة في قصيدة النثر ) بعد مشاكل هددت بعدم صدورها وانسحاب بعض زملاء المشروع، كيف تعرفها لقارئ عربي لم تصل له بعد ، وماذا أضافت للمشهد الشعري والثقافي المصري كي تضيف للمشهد العربي؟
* من المبكر جدًا أن نتحدث عما يمكن أن تكون قد أضافته مجلة لم يصدر منها حتى الآن سوى عدد واحد ، نحن نحلم أن تضيف مقدمة شيئًا .. أي شيء ، نحلم أن تدفع مقدمة عربة الشعر للأمام ولو سنتيمترَا واحدًا ، وأنا لست راغبًا في تحميل هذه المجلة بأكثر مما يجب ، فمقدمة ليست سوى طريقة اختارها محرروها للمساهمة في إحداث حركة في مستنقع بدا لهم آسنًا ، لإحداث جدل يبدد حالة الركود الراهنة ، فالإصدارات الثقافية الجادة – في ظننا -تتراجع يا صديقتي في مصر والعالم العربي ، وحول الشعر لا نرى حوارًا جادًا ، فقط هناك احترابات قبلية جوفاء .
إن مجلة مقدمة شهادة جيل من الشعراء على عصرهم ، شهادة بطريقة مخصوصة . نحن نريد أن نترك وراءنا شيئًا يقول أن أناسًا مهمومين كانوا هنا وذهبوا .
- مجلة مقدمة وإعلانها إنها مجلة رافضة لكل الأشكال الشعرية ما عدا القصيدة النثرية ،واللهجة العدائية التي ظهرت في مقدمة المقدمة ، أو البيان رقم واحد إذا جاز لنا تشبيهه ببيانات الثورة، ألا يعد هذا موقفا مضادا للحداثة…الداعية لقبول الآخر وعدم رفضه أو تهميشه ،خاصة أن قصيدة النثر الجديدة من المفترض كونها إحدى تجليات فكر ما بعد الحداثة؟
* إيماننا بتجاور الأشكال الشعرية إيمان عميق لا يتزعزع ، ولا أظننا أعلنا ما هو عكس ذلك ، لا أظن أننا أعلنا رفض وجود ماهو غير قصيدة النثر ، ولا أعرف كيف قُرأ الأمر على هذا النحو . فبادئ ذي بدء نحن لا نخفي انحيازنا إلى قصيدة النثر لكننا في الوقت نفسه نعرف أن الآخر موجود وسيظل موجودًا ولابد لنا أن نعترف به ونتفهمه بل ونحترمه .
المشكلة أن الآخر بدا متعصبًا ضدنا إلى درجة العمى ، فنحن مطرودون تمامًا من جنة المؤسسة الثقافية في مصر - وهذا من فضل ربي – ونحن محرومون من التكريم ، ومحرومون من تمثيل بلادنا في المحافل إلى الحد الذي أساء إلى وجه مصر الشاعرة .
التجاور من طبائع الأمور ، بل إنني لا أبالغ إذا قلت إن التنوع أمر ضروري ولازم لسلامة عقل أي أمة .
- في ديوانك الأخير كان الإهداء للشاعر المصري عماد غزالي، عماد الذي ما زال يكتب التفعيلة، وأحياناً النص العمودي على بحر الطويل،فهل سترفض نشر قصائده في مجلة مقدمة ؟وهل يتبنى السلوك ما بعد الحداثي الفصل بين الشاعر والصديق؟
* عماد غزالي شاعر مهم وصديق عمر ، لكل منا توجهه واختياراته ومشروعه وهذا أمر طبيعي ، والتباين بين تجربتينا لا يفسد للود قضية ( هل يصلح هذا ليكون تكملة لردي علي سؤالك السابق ) ، عماد هو وجه من أوجه بلورة جيلي المتعددة ، أما مسألة النشر في مقدمة فهي أمر تفصل فيه هيئة التحرير مجتمعة ، فمقدمة تحتفل بالنص الأنسب والأكثر توافقًا مع سياستها ، أي إنها ترحب بالنص الصديق لا بالشاعر الصديق ، وهذه أبسط قواعد الموضوعية . وأعترف أنني شخصيًا لا يمكنني أن أفصل في كل الأحيان بين الشاعر والصديق ، ولكن مقدمة ستكون قادرة على ذلك ، ولعلمك عماد له ديوانان نثريان أحدهما نشر هذا العام .
- قال عنك الشاعر والناقد أمجد ريان أنك شاعر ما بعد حداثي تهتم بتفاصيل التفاصيل ، وما بعد الحداثة تعني الهيولى ،عدم الإيمان بالمطلق ورفض المرجعيات ونسف القضايا الكبرى…لكنك في بعض قصائدك تنطلق من القضايا الكبرى لتبني نصك الشعري كما في أوقات بيروت ، فأين أنت بالتحديد؟؟!
* لست مسئولاً عن آراء أحد ولا يهمني أن أوصف بالمابعد حداثية أو غيرها ، كل هذا الكلام في رأيي خارج الشعر ، ما بعد الحداثة ليست أمرًا محسومًا ومتفقًا عليه من الجميع ، فواحد من أكبر منظري ما بعد الحداثة في العالم وهو إيهاب حسن يقول : لو اجتمع كل من بشروا بما بعد الحداثة في غرفة واحدة لمدة أسبوع كامل من أجل الاتفاق على توصيف واحد لمابعد الحداثة لن ينجحوا ، فقط قد نرى خيطًا من الدم يتسرب نهاية هذا الأسبوع من تحت باب تلك الغرفة .
أما الاهتمام بالتفاصيل فهي طريقة في قراءة العالم ومقاربته ، مجرد طريقة وليست أيديولوجيا مقدسة ، وقلنا مرارًا إن القضايا الكبرى لم تمت ولن تموت ، القضايا الكبرى موجودة في كل نص عظيم ، فقط أصبح الدخول إليها يتم من المداخل الجانبية وليس من البوابات الملكية ، أي أن الهامشي صار علامة تشير إلى الجوهري والأصح أن نقول إيماءة إليه ، فقصيدة أوقات بيروت التي تشيرين إليها مثل واضح لكيفية تناول قضية الوطن وحريته ، فقد تم التناول من زاوية خاصة وعبر شخصية هامشية من آحاد الناس أعني شخصية راندا ميشيل حلاق ، الشخصية التي تم اختصار السؤال اللبناني فيها . وسيظل سؤال الشعر دائمًا هو كيف وليس ماذا .
- في نميمة ما ، يروى عنك قولك عن إحدى شاعرات قصيدة النثر المصرية إنها واحدة من الأكاذيب التي تملأ فضاءنا،كيف يمكن أن تستمر أكذوبة إبداعية في الواجهة الشعرية العربية وبزخم واضح؟
* صيغة السؤال جارحة وعلى أية حال أنا لا أذكر الآن متى قلت هذا وفي أي سياق ، لكنني أرفض الاتهام بالنميبمة لأنها ليست طبيعتي فإن كنت قد قلت ما ذكرت ، فمعنى ذلك أنه رأيي الذي لا أتردد في إعلانه في أي وقت وأي مكان .
مع ذلك فإنني أميل إلى الابتعاد عن الشخصنة حنى لا ننزل بمستوى الحوار ، وفي الوقت نفسه لابد لنا أن ننتبه لتلك الظاهرة الخطيرة التي تجتاح حياتنا بشكل عام ، أعني ظاهرة تسلق المرتزقة وعاطلي الموهبة إلى صدارة المشهد الثقافي بقوة الإلحاح أو الرشوة التي تأخذ أشكالاً مبتكرة بدءًا من المقايضات الخدمية حتى الرشوة الجنسية . وللأسف برزت فئتان في الآونة الأخيرة تلعبان الدور الأكبر في هذا الفساد ، أولاهما بعض الصحفيين الذي يستغلون مواقعهم وإمكاناتهم الدعائية لترويج أنفسهم ككتاب مبدعين عبر مقايضات مع أقران لهم ، والفئة الأخري هي نوعية من الإناث التي ترى في الكتابة شكلاً من أشكال الوجاهة الاجتماعية ولا تتردد في استغلال الضعف الإنساني لدى بعض المسئولين الثقافيين للحصول على ما لا تستحقه من فرص .
ولماذا يتقن الشاعر الجديد النميمة البينية ضد رفاقه ويخشى المصارحة؟ هل هي إحدى خصيصات شاعر القصيدة الأجد؟بالمناسبة هل وصلك تعبير الراحل درويش عن شعراء قصيدة النثر زعماء اتفاق الخمس دقائق؟
* لم تصلني العبارة إلا الآن وهي غير صحيحة ، النميمة مرض وراثي في مجتمعاتنا ومجتمع الشعراء في كل الأوقات كان يموج بالنميمة ، كثير من قرناء درويش نفسه ومن أبناء جيله عذبوه بالنميمة وكانوا ينتقدون مواقفه في الخفاء على غير ما يظهرون .
- عاطف عبد العزيز يرفض فكرة الشاعر العارف ، النبي ويعيش حياة الشاعر المتسائل ،فهل هذا الرفض من قبل الشعراء الحاليين هو ما أدى إلى انحسار دور الشاعر الاجتماعي والسياسي ؟
* الذي أدى إلى انحسار دور الشعر والشاعر أمور عديدة منها شيوع أفكار مغلوطة عن الشعراء ، إذ كان يتم تصويرهم على أنهم أناس حالمون دون أدنى مسئولية بعيدون عن الواقع ، أو أنهم غامضون هاربون من الحياة ومتعالون على ماهو يومي ومعيش ، وفي أحيان أخرى يتم تصويرهم على أنهم مرتزقة ومداحو سلاطين وغير جديرين بالاحترام .
والحق أن الشعراء مسئولون جزئيًا عن هذه السمعة السيئة ، ويتكفل بباقي المسئولية الساسة وبعض رجال الدين الذي يرون في الشعر مدعاة لتجاوز الأعراف و التقاليد وإثارة القلاقل ، وعلي أقل تقدير يرونه لغوًا لا طائل من ورائه .
وأعتقد أن تخلي الشاعر عن دور النبي العارف خطوة على طريق تصالحه مع الإنسان العادي ، إذ أن الشاعر المتسائل يرمي بعبء الإجابة على الجماعة التي يعيش فيها ويعيد إليها الاعتبار كمصدر لمعرفته ، أي أنه يضعها أمامه لا خلفه .
- لماذا يصطدم الشاعر الحداثي، عادةً، بالمؤسسة الدينية وينأى بصورة ملحوظة عن اشتباكٍ من أي نوع مع المؤسسة السياسية؟
المواجهة بين الشاعر والمؤسسة الدينية هي مواجهة بين متحول وثابت ، لذا فالاحتكاك بينهما يبدو حتميًا ، خاصة في ظل غلق باب الاجتهاد وهيمنة التيارات السلفية المحافظة على تلك المؤسسة العريقة النافذة ، فالشاعر متسائل ومرتاب بطبيعته ، بينما رجل الدين واثق ويقيني بطبيعته ، الأول يرى الثاني متحدثًا باسم الله بغير استحقاق ، والثاني يرى الأول مثيرًا للفتن وفاتحًا لأبواب الشياطين ، وكلاهما في رأيي مبالغ في سوء الظن .
أما العلاقة بين الشاعر والسياسي فهي علاقة بين متحول ومتحول ، لذا فهي جدلية تتراوح بين التوافق المرحلي والصدام المرحلي ، وفي كل الأحيان يسعى كل من طرفيها إلى احتواء الآخر ، هي علاقة غامضة ومعقدة فيها من الشك أكثر ممافيها من الثقة ، ولا تنسي فالشعر في نظر الكثيرين هو السياسة بطريقة أخرى .
- لا تقف هنا يا محترم، فهذا المكان مخصص لمكافحي الشغب. هكذا كتب عاطف في إصداره الأحدث. هل كنتَ عائداً للتو من مظاهرة؟
* أعتقد أنني كنت أيامها أشارك مع رفاق لي من المثقفين المصريين ضمن حركة ( أدباء وفنلنون من أجل التغيير ) في وقفات احتجاجية ضد مخطط توريث السلطة في بلادي .
- عاطف ، في عنقك الآن بيعة لأمير الشعراء الجديد، متى ستابيعه؟
طبعا،لا تمازحني وتقل إنك لم تبايع أمير العام الماضي بعد!
* سارة ، في عنقك الآن بيعة لي … أرجو ألا تقولي إنك ستبايعين مروان غفوري !
طبعًا .. إجابة باسمة عن سؤال باسم .
……..
أشكرك .. أنت رائعة .
أجرى الحوار سارة رشاد
القاهرة في 19 سبتمبر 2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























